ابن تيمية

81

مجموعة الرسائل والمسائل

فصل : وأما الإقامة فهي خلاف السفر فالناس رجلان مقيم ومسافر ، ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين إما حكم مقيم وإما حكم مسافر ، وقد قال تعالى : " يوم ظعنكم ويوم إقامتكم " فجعل للناس يوم ظعن ويوم إقامة ، والله تعالى أوجب الصوم وقال : " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر " فمن ليس مريضاً ولا على سفر فهو صحيح المقيم ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " فمن لم يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة فهو المقيم . وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه فدل على أنهم كانوا مسافرين ، وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ، وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه كان يقول اليوم أسافر غداً أسافر ، بل فتح مكة ، وأهلها وما حولها كفار محاربون له وهي أعظم مدينة فتحها وبفتحها ذلت الأعداء ، وأسلمت العرب ، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم ، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام ، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في تبوك .